السيد الطباطبائي

18

تفسير الميزان

غسوق درة أي نفاق - بالفتح - انتهى . وفى قوله تعالى : ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) التفات من الغيبة إلى الحضور ، والوجه فيه ظاهرا رفع اللبس من جهة مرجع الضمير فلو لا الالتفات إلى الحضور في قوله : ( ما لم نمكن لكم ) أوهم السياق رجوعه إلى ما يرجع إليه الضمير في قوله : ( مكنا لهم ) وإلا فأصل السياق في مفتتح السورة للغيبة ، وقد تقدم الكلام في الالتفات الواقع في قوله : ( هو الذي خلقكم من طين ) . وفي قوله : ( فأهلكناهم بذنوبهم ) دلالة على أن للسيئات والذنوب دخلا في البلايا والمحن العامة ، وفي هذا المعنى وكذا في معنى دخل الحسنات والطاعات في إفاضات النعم ونزول البركات آيات كثيره . قوله تعالى : ( ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ) إلى آخر الآية ، إشارة إلى أن استكبارهم قد بلغ مبلغا لا ينفع معه حتى لو أنزلنا كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم فناله حسهم بالبصر والسمع ، وتأيد بعض حسهم ببعض فإنهم قائلون حينئذ لا محالة : هذا سحر مبين ، فلا ينبغي أن يعبأ باللغو من قولهم : ( ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ) ( الاسراء : 93 ) . وقد نكر الكتاب في قوله : ( كتابا في قرطاس ) لان هذا الكتاب نزل نوع تنزيل لا يقبل إلا التنزيل نجوما وتدريجا ، وقيده بكونه في قرطاس ليكون أقرب إلى ما اقترحوه ، وأبعد مما يختلج في صدورهم أن الآيات النازلة على النبي صلى الله عليه وآله من منشآت نفسه من غير أن ينزل به الروح الأمين على ما يذكره الله سبحانه . ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) ( الشعراء : 195 ) . قوله تعالى : ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون ) قولهم ( لولا أنزل عليه ملك ) تحضيض للتعجيز ، وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله بما كان يتلو عليهم من آيات الله النازلة عليه أن الذي جاء به إليه ملك كريم نازل من عند الله كقوله تعالى : ( إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين ) ( كورت : 21 ) إلى غيرها من الآيات . فسؤالهم إنزال الملك إنما كان لاحد أمرين على ما يحكيه الله عنهم في كلامه :